ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

334

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

كلمة معجمة وكلمة مهملة ، والرسالة التي حرف من حروف ألفاظها معجم والآخر غير معجم ، ونظم غيره شعرا آخر كل بيت منه أول للبيت الذي يليه ، وكل هذا - وإن تضمن مشقة من الصناعة - فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة ؛ لأن الفصاحة هي ظهور الألفاظ مع حسنها ، على ما أشرت إليه في مقدمة كتابي هذا ، وكذلك البلاغة فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعاني ؛ من قولنا : بلغت المكان ؛ إذا انتهيت إليه ، وهذا الكلام المصوغ بما أتى به الحريري في رسالته وأورده ذلك الشاعر في شعره لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة ، وإنما يأتي ومعانيه غثّة باردة ، وسبب ذلك أنها تستكره استكراها ، وتوضع في غير مواضعها ، وكذلك ألفاظه ؛ فإنها تجيء مكرهة أيضا غير ملائمة لأخواتها ، وعلم البيان إنما هو الفصاحة والبلاغة في الألفاظ والمعاني ، فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع المشار إليها لا يكون معدودا منه ، ولا داخلا في بابه ، ولو كان ذلك مما يوصف بحسن في ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب اللّه عز وجل الذي هو معدن الفصاحة والبلاغة ، أو ورد في كلام العرب الفصحاء ، ولم نره في شيء من أشعارهم ولا خطبهم . ولقد رأيت رجلا أديبا من أهل المغرب ، وقد تغلغل في شيء عجيب ، وذاك أنه شجر شجرة ونظمها شعرا ، وكل بيت من ذلك الشعر يقرأ على ضروب من الأساليب اتباعا لشعب تلك الشجرة وأغصانها ؛ فتارة تقرأ كذا ، وتارة تقرأ كذا ، وتارة يكون جزء منه هاهنا ، وتارة هاهنا ، وتارة يقرأ مقلوبا ، وكل ذلك الشعر وإن كان له معنى يفهم إلا أنه ضرب من الهذيان ، والأولى به وبأمثاله أن يلحق بالشّعبذة والمعالجة والمصارعة ، لا بدرجة الفصاحة والبلاغة . ورأيت أبا محمد عبد اللّه بن سنان الخفاجي قد ذكر بابا من الأبواب في كتابه ؛ فقال « 1 » : ينبغي ألّا تستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ، ومعانيهم ، ولا الألفاظ التي تختصّ بها بعض المهن والعلوم ؛ لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل

--> ( 1 ) انظر « سر الفصاحة » لابن سنان الخفاجي ( ص 159 ) .